مظفر لامي
رغم الظروف المثيرة للجدل والزمن الطويل الذي مرّ على صدور رواية الحارس في حقل الشوفان، إلا أنها مازالت المثال الأبرز على توظيف المزاج المتطرف في عمل سردي من دون الإخلال بالمتطلبات الأساسية لبنية وعناصر العمل الروائي. وكان التحدي الأكبر في هذا العمل يتمثل في قدرة الكاتب على تقديم النبرة الساخطة الاستثنائية لشخصيته، من خلال بنية سردية متكاملة وضمن تجربة تتشارك فيها الأحداث والرؤى والمواقف ووجهات النظر مع شخصيات أخرى. ودون شك لا تختلف الأعمال الأدبية التي يغلب عليها طابع الرفض والاحتجاج عن غيرها في أهمية هذا المعيار الفني والفكري، فالقارئ يتقبل وجود شخصية غاضبة تفصح عن مكنونها كوجهة نظر مغايرة، لكنه لن يتفهم تحييد دوره في تشكيل مضمون العمل الأدبي حين يكون الصوت المثقل بتداعيات معينة مهيمنًا وموجها لبنية مغلقة لا تتقبل غير تفسيراتها المحددة، وفي التجربة القصصية للكاتب العراقي محمد الكاظم نلاحظ هذه النبرة الساخطة التي تتخفى خلف غلاف شفاف يختلف في الشكل والتقنية ومدى المناورة الفنية من مجموعة قصصية لأخرى.
وفي مجموعته القصصية الأخيرة العراقنامه لم يتضح لنا صوت الاحتجاج والتهكم الذي رسخ قصدية التناول فحسب، بل لمسنا مدى الإصرار على تطويع عناصر القص، وفي حالات كثيرة تجاوزها، من أجل صياغة مرويات تعكس أوجه مختلفة لموقف الكاتب إزاء قضايا وطنه. وابتداءً من عنوان المجموعة وتصميم غلافها نواجه بإحالة أولية تتضح لاحقا في العناوين الفرعية التي تتقدمها تسمية كتاب. وخلاصتها أننا بصدد قراءة نصوص تحمل مؤثرات وأنماط ذات صلة بشكل ومضمون المؤلفات التراثية، ولعنا نجد صدى هذا التوجه في شهادة الكاتب التعريفية بمجموعته، إذ يقول (أحد طموحات كتاب العراقنامه هو أن يكون ملحمة سردية عراقية) ويذكر في موضع آخر (تحوي المجموعة قصصا تحاول أن تلم بأهم القضايا التي شغلت الإنسان العراقي …) نستخلص من ذلك وجود تعاضد بين الشكل ونية محاكاة الكتب الموسوعية برؤية قصصية، وبالتالي يكون للنص أو للقصة الواحدة وظيفة ضمنية تؤديها باعتبارها جزءًا من رؤية شاملة.
اعتمد الكاظم عناصر مختلفة في قصصه منها ما يتعلق بشكل النص في الصفحة وما يضاف إليه من حواشي وتأطير ووثائق ومرتسمات. وأخرى ترتبط بتنظيم وتصنيف القصص إلى أجزاء/ كتب.
وهي بمجملها مع طبيعة العناوين التي تتصف بالإثارة، تعكس التخطيط المسبق والحاجة لتقنيات غير تقليدية تتناسب مع مستوى حدة الخطاب والتطلع للتجريب والابتكار الذي اعتدنا عليه في نتاجاته.
وقد يختلف غرض هذا التوظيف ودلالاته من قصة لأخرى، لكنه يتماثل في رغبته في إحداث الوقع الصادم والتأثير المباشر في القارئ. وسأقتصر في محاولتي هذه على تقديم وجهة نظري في نموذجين من هذا التوظيف.
في مدونة (كتاب العراقنامه) ثمة علاقة بين العنوان والشكل الذي قدمت به النصوص. فالكاتب يوظف نمطًا من المؤلفات التراثية التي تضع النصوص الرئيسية إلى جانب الحواشي والتفسيرات. والاختيار بحد ذاته يوضح الخطوط المتداخلة والمتشعبة التي كان ينوي تتبع أثرها في تجربة الاغتراب.
بالإضافة لتحرر كامل من اشتراطات السرد لصالح تجاور يضع لغة البوح المكثفة إلى جانب اللغة التقريرية الموجزة للشروح والتعليقات. وبالطبع سيرصد القارئ هذا المؤثر الجانبي وسيبحث عن أهميته باعتباره عبئاً مضافاً لعملية القراءة، ومن خلال الانتقال في القراءة بين النصوص والحواشي سيتضح لنا المبرر الأساسي لقرار الكاتب آنف الذكر يتمثل في طبيعة اللغة الشعرية المكثفة للنصوص وما يتخللها من تشبيهات واستعارات وكنايات تهدف لإدهاش وإضفاء تأثير نفسي وعاطفي على القارئ.
والشكل هنا/ الإطار المزخرف، يساهم في إعطاء هالة التوقير والغموض والانغلاق على طلاسم تحتاج لشروح يفترض أن تقدم من قبل شخصيات أخرى. كتاب الطواسين هو سلسلة من الاستعادات والخواطر التي يستحضرها مغترب عراقي في ليبيا، ودون شك لا نحتاج لسبب آخر غير غياب البنية السردية كاملة العناصر لنميز تعاطي الكاتب المباشر مع تجربته الشخصية بأبعادها الاجتماعية، النفسية، الروحية والعقائدية، من دون الالتفات للتشابه المقصود بين اسم الشخصية واسم الكاتب. كذلك وجود شخصيتين تنسب إليهما الشروح المفسرة للنص لم يمنعنا من تمييز صوت الكاتب الذي أدار هذه النصوص بتوجهات الكتابة الخبرية التي تتحرر من التكثيف والترميز لكنها تتمسك بالإثارة والتأثير العاطفي. وهذا التنويع في الدور والشكل الذي يتخذه صوت واحد مهيمن، يعطينا انطباعًا عن الاقتناع التام بجدوى تناول التجربة الذاتية من الداخل بكل ما تحمله من رواسب وبواعث احتجاج، بدلا عن احتوائها والنظر اليها من الخارج من أجل تفادي الانجرار لتبجيلها أو الوقوع في أغراء أسطرتها. في قصة (الكيا.. وكرسيها المريب) لجأ الكاظم لتوظيف مختلف لمساحة الصفحة الواحدة، إذ استخدم نصوصاً منفصلة تقدم لمحة مختصرة عن حياة ركاب العربة التي ستتعرض لتفجير انتحاري، معنونةً باسم الشخص ومكان الكرسي الذي يجلس فيه. (كرسي الصدر الوسطي/ علاوي) (كرسي الخط الثاني خلف السائق/ محمد لطيف).
وترك مساحات فارغة تفصل بينها، نصادف فيها عبارات على جانبي الصفحة، مكتوبة من الأعلى إلى الأسفل. وهي نماذج من الكليشيهات التي تُزين بها العربات وسيارات الأجرة. وربما لا نبالغ حين ننظر لهذا التوزيع في المساحات على أنه محاولة لمسرحة عناصر الصفحة (النصوص، العبارات، الفراغ) واعطائها بعدا حسياً. فالقارئ لا ينتقل في قراءته للنصوص من أعلى الصفحة إلى أسفلها، بل من كرسي السائق وحتى الكرسي الأخير في العربة.
وهذا الانتقال البصري لا يتضمن حدثاً ينمو ولا فعلاً تقوم به الشخصيات. مما يولد لدينا انطباعًا أن الإحاطة التي تقدم عن ظروف ومكان واقعة التفجير تشبه في بعض تفاصيلها التقارير الرسمية التي يتم جمع معلوماتها بعد زمن من وقوع الحوادث، والتي ترفق غالبا بمرتسمات توضيحية لمكان الضحايا.
وهو مؤشر واضح على استبعاد البناء القصصي التقليدي الذي يرصد التداخل والاحتدام بين الشخصيات واستبدالها بدينامية الإخبار بالمعلومة التي تعطي للمصدر أو لصوت الراوي هيمنةً مطلقة في إبداء وجهة نظر أحادية أو تصوراً يتضمن أهدافاً محددة.
تجدر بنا الإشارة أن التعاطي مع شكل النص وما يضاف إليه من عناصر بصرية هو من تقنيات العمل الصحفي التي تشكل جانباً مهما من خبرات ومرجعيات الكاتب محمد الكاظم، والتي نرى حضورها واضحاً في مجموعته العراقنامه، فالنظر للوقائع باعتبارها كمّا متنوعاً من المعلومات هو جوهر البحث الاستقصائي الذي يكون شغله الشاغل موجهاً لكيفية تقديم المعلومة، والتحكم في قوة تأثيرها من خلال وسائل عديدة كتصميم النصوص وما يضاف إليها من عناصر رديفة.