منتصر صباح الحسناوي
عندما يذوب الثلج، ويعتدل النهار والليل، وتبدأ الأرض في اخضرارها الأبدي، نعرف أن شيئاً أعمق من التبدل الموسمي قد حلّ... إنها النفخة الأولى في الحياة من جديد، إعلانٌ خفيّ لسنةٍ جديدة.في مثل هذه الأيام قبل أكثر من ستة آلاف عام كانت حضارات بلاد ما بين النهرين تحتفل بـ "أكيتو"، أقدم عيدٍ لرأس السنة في التاريخ البشري، والذي لا يزال حتى اليوم يُحتفى به رمزياً في العراق وسوريا ولا سيما بين الآشوريين والكلدان والسريان.
أكيتو، أو "أكيتي سنونم" كما كان يُعرف بالسومرية، و"ريش شاتين" بالأكادية، وفي الآشورية "ܪܫܐ ܕܫܢܿܬܐ ܐܫܘܪܝܬܐ".هو أكثر من مجرد تقويم سنوي، إنه احتفال بفكرة البدايات والخصب والخلق والنظام وعودة الحياة. وعلى الرغم من أن الذين يحتفلون به اليوم لا يعتنقون ديانات الأجداد القدماء فإنهم ما زالوا متمسكين بجذورهم الثقافية العميقة رافضين أن تذروها رياح الزمن.
كان هذا العيد يمتد اثني عشر يوماً، تتوزع طقوسه بين المعابد والمواكب والصلوات، وتبلغ ذروتها في اليوم الثامن، حين يخرج ملك بابل في موكب مهيب إلى جانب تمثال الإله "مردوخ"، عبر شارع الموكب الشهير، مروراً ببوابة "عشتار"، وصولاً إلى معبد "أكيتو" خارج أسوار المدينة. هناك تُقام الطقوس الكبرى، وتُتلى ملحمة الخليقة البابلية ويُستقرأ المستقبل.
لكن ما يميز أكيتو ليس فقط الجانب الروحي بل دوره السياسي المحوري. ففي هذا العيد كان يتم تجديد شرعية الملك نفسه وينال بركة مردوخ وكهنة معبده في طقس مهيب كان يُصفع الملك على وجهه أمام الإله ليذرف دمعة تُثبت تواضعه وتضمن رضى الآلهة عنه.
المثير أن رمزية أكيتو ما زالت حيّة في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة على الرغم من مرور 6775 عاماً بحسب التقويم الرافديني القديم. إذ يرى البعض فيه احتفالاً تراثياً يعزز الهوية، وإصراراً على البقاء، ورسالة بأن الحضارة لا تُقاس بما ينهار بل بما يُورّث.
أكيتو عيدٌ للإنسان الذي لا يزال يتشبث بخيط ناعم من الماضي مع كل ما دار على الجغرافيا من حروب وخراب وتراكمات احداث ل الاف السنين ما يزال يؤمن أن في كل ربيع حكاية وفي كل بداية وعوداً، وفي كل نيسان... أكيتو جديد.