د محمد القريشي
اعتبرت الأمم المتحدة العراق من بين الدول الخمس الأكثر تضررًا من التغيرات المناخية ويحتل المرتبة 39 بين الدول الأكثر إجهادًا للمياه. واشارت في بيان صدر في عام 2023، إلى أن انخفاض معدلات هطول الأمطار خلال عام 2021، قد أدى إلى “نقص المياه والتصحر وتآكل التربة نتيجة الممارسات الزراعية غير المستدامة، مما تسبب في تضرر وانكماش الغطاء النباتي”.ويواجه العراق، استنادا إلى البيان، جملة من التحديات البيئية تتمثل في : “موجات الحر الطويلة وانخفاض معدل هطول الأمطار وفقدان الأراضي الخصبة وملوحة التربة وعدم كفاية الاستثمارات في البنية التحتية ونقص المياه العابرة للحدود واخيراً انتشار العواصف الترابية.
وقد انخفضت تدفقات المياه خلال العقود الأربعة الماضية، من نهري الفرات ودجلة، اللذين يوفّران عادةً نحو 98٪ من المياه السطحية في العراق، بنسبة تتراوح بين 30 و40٪، مما أدى إلى جفاف الأهوار التاريخية في الجنوب، وتسبب في ارتفاع درجات الحرارة، حيث بلغت أعلى مستوياتها حوالي 54 درجة مئوية في البصرة. ونتيجة لانخفاض منسوب مياه الأنهار تسربت مياه البحر إلى داخل الأراضي الجنوبية، وارتفعت نسبة ملوحة التربة وتضررت الزراعة. وتؤدي هذه الظروف المستحدثة إلى تغيير أنماط معيشة مجتمعات بأكملها، مما يفرض عليها تحديات ثقافية واقتصادية وأمنية معقدة.
تأثير التغير المناخي والموروث الثقافي
تشير التقارير إلى تعرض العديد من المواقع الأثرية العراقية، التي تعود إلى آلاف السنين، لأضرار كبيرة بفعل العوامل المناخية، مثل العواصف الرملية وارتفاع نسبة الملوحة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك موقع قرية أم العقارب الأثري، الذي يضم معابد عديدة، من بينها معبد للإله السومري “شاراع”، ويمتد على مساحة تقدر بنحو 5 كيلومترات مربعة في جنوب العراق. وقد بلغ الموقع ذروة مجده في عام 2350 قبل الميلاد، ويضم اليوم قنوات وقطع فخارية وألواحًا أثرية تسلط الضوء على تاريخ السومريين، وفقًا لاكتشافات علماء الآثار. ومع ذلك، يعاني هذا الموقع حاليًا من التأثيرات غير المباشرة للتغير المناخي، مثل العواصف الرملية المتزايدة.
وفي السياق ذاته، تواجه كنيسة القُصير الأثرية خطر الاندثار، حيث تتساقط أجزاء من جدرانها بفعل التغيرات المناخية، مما يهددها بالكامل. تقع الكنيسة جنوب غرب محافظة كربلاء، ضمن الهضبة الغربية، وتبعد حوالي 5 كيلومترات عن حصن الأخيضر. ويعود تاريخ بنائها إلى القرن الخامس الميلادي، وتحتوي على كتابات آرامية ومعالم معمارية مميزة.
ويرى بعض المختصين أن الرياح الهابطة تحمل كميات كبيرة من الغبار والرمال والطمي، مما يؤدي إلى تآكل المباني الأثرية. كما أن ارتفاع درجات الحرارة يسرّع من تبخر المياه، تاركًا وراءه رواسب ملحية تهاجم الأبنية وتتسبب في تآكلها. ويشير الخبراء أيضًا إلى خطورة التغيرات الكبيرة في درجات الحرارة بين الصيف والشتاء، حيث قد تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر شتاءً، بينما تتجاوز 50 درجة مئوية صيفًا في محافظات الجنوب. وتؤثر هذه التباينات الحرارية على التربة والغطاء النباتي، كما تتسبب في تمدد وتقلص المواد المستخدمة في بناء المواقع الأثرية، مما يؤدي إلى إضعافها تدريجيًا.
النزوح المناخي والصدام الثقافي
تشير التقارير إلى نزوح ما لا يقل عن 83,000 شخص خلال الفترة ما بين حزيران 2018 وحزيران 2023، بسبب التغير المناخي والتدهور البيئي في وسط وجنوب العراق. وتنتقل موجات النزوح من المناطق الريفية إلى المدن، مما يؤدي إلى توترات اجتماعية بين النازحين والمجتمعات المضيفة.
وفي هذا السياق، صرّح المتحدث باسم المنظمة الدولية للهجرة بأن “الوافدين الجدد غالبًا ما يعيشون على هامش النظام الاجتماعي السائد في المدن، حيث يعمل معظمهم في وظائف ذات أجور منخفضة، أو في القطاع غير الرسمي، بينما يشغل سكان المدن وظائف حكومية أكثر استقرارًا”.
ويجد النازحون أنفسهم في منافسة شديدة على الموارد المحدودة، مثل وسائل النقل، الرعاية الصحية، التعليم، مياه الشرب، والصرف الصحي. ويؤدي هذا الوضع إلى زيادة خطر تعرضهم لمشكلات صحية، بما في ذلك الأمراض العقلية وتعاطي المخدرات، في ظل محدودية شبكات الدعم الاجتماعي المتاحة لهم.
كما تفيد تقارير أخرى بازدياد مشاعر التوتر والكراهية بين سكان المدن والنازحين القادمين من القرى، حيث يُنظر إليهم أحيانًا على أنهم أكثر ميلًا إلى ارتكاب الجرائم أو التمسك بالنزاعات القبلية. وتستغل بعض الأطراف السياسية هذه الفجوة الاجتماعية، وتصور النازحين ككبش فداء لتبرير الفشل في حل الأزمات الحضرية.
تشمل التباينات الثقافية أيضًا اختلاف منظومات القيم والعادات، إذ يرى بعض علماء الاجتماع أن سكان المدن غالبًا ما يكونون أكثر انفتاحًا وتسامحًا مع التنوع الثقافي، مقارنة بسكان القرى الذين يميلون إلى التحفظ والتدين. وقد تؤدي هذه الاختلافات إلى توترات اجتماعية، حيث يمكن لقضايا مثل ملابس المرأة أن تتحول إلى مواضيع خلافية حادة.
وتؤثر التغييرات المناخية على بعض التقاليد المرتبطة بالطبيعة، مثل مواسم الحصاد، الصيد، والاحتفالات الزراعية، حيث يؤدي تغير أنماط الطقس على المناسبات الثقافية المرتبطة به، وتؤدي الهجرات المناخية كذلك إلى تفكك المجتمعات الريفية التي كانت تحافظ على تراثها الشعبي، وتكتسب ثقافات جديدة. وتمتد التأثيرات إلى طبيعة الفنون والفلكلور المميز للجماعات المتضررة، حيث تختفي تدريجيا او تتغير القصص الشعبية والأساطير المرتبطة بالطبيعة وينعكس ذلك على طبيعة الأعمال الفنية التي تنتجها الجماعات في البيئة الجديدة.