05A2EDD17376135DD5B5E7216D8C98DB
27 Jan
27Jan


أحمد الوندي
منذ بدايات الوجود الشيعي في العراق، نشأت ثنائية الرفض والثورة ضد السلطة الجائرة والحاكم غير العادل، واستقى أتباع أهل البيت عليهم السلام هذه الروح الثورية من تجارب الأئمة ووصاياهم في مقاومة الظلم. وعلى امتداد التاريخ، طَوَّر الشيعةُ خطابا سياسيا يمزجُ بين العقيدة والعمل، إلا أنّ ذلك الخطاب ظلّ حبيس الأطر الفكرية أو النضالية السرية، بعيدا عن ميادين السلطة المباشرة حتى عام 2003، عندما انتقلوا من دوائر المعارضة إلى مضامير الحكم والدولة.
وفي المنعطف المفصلي الذي سبق إسقاط النظام السابق، برز دورٌ حاسم لقياداتٍ شيعيةٍ، مثل الراحل الدكتور أحمد الجلبي، في إقناع مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة وحلفائها بالسير نحو خيار التدخل العسكري، مستثمرين الحراك الكردي وتطلعات قوى أخرى معارضة. صحيحٌ أنّ هذا الحراك لم يكن مغلَّفا تماما بعباءة "الدبلوماسية الشيعية" آنذاك، لكنّه وضع اللبنة الأولى في تشييد ملامح سياسةٍ خارجيةٍ شيعية عراقية، حتى لو تشاركَت في ذلك قوى متنوعة (شيعية وكردية وسُنّية) توحّدها مناهضة النظام، لكني اعتبره الحراك الأول للدبلوماسية الشيعية في اطار دولي.


من المعارضة إلى دهاليز الدولةبعد 2003، وجد الشيعة أنفسهم أمام اختبارٍ كبير؛ فقد انتقلوا من معارضةٍ شرسةٍ في الداخل والخارج إلى مواقع الحكم وتحمُّل أعباء بناء دولةٍ جديدة. وتجلّى التحول الأهمّ بربط القوة السياسية الشيعية بمؤسسات الدولة عبر مقاعد البرلمان، وحقائب الخارجية، ومختلف الوزارات السيادية، ما أتاح لهذه القوى طرح رؤيتها للعالم والتعبير عن مظلومية أكثريةٍ ظُلمت عقودا طويلة. 

وقد تشكّلت حينها فرصةٌ تاريخيةٌ لتقديم "دبلوماسية شيعية" معتدلة وذات بُعد وطني، ترمم علاقات العراق مع جواره والعالم، وتعيد للعراق مكانته الدولية.


غير أنّ الواقع السياسي أثبت صعوبة استكمال هذا المشروع بسبب تداخل التأثيرات الإقليمية والدولية. فبعض القوى الشيعية وجدت نفسها أمام ضغوط نفوذٍ إقليمي، لاسيما الإيراني، أو قوى أخرى، ما أدّى في أحيان كثيرة إلى تغليب المصالح الخارجية على رؤيةٍ وطنيةٍ جامعة. ثم تفاقمت الخلافات الداخلية بين الأحزاب الشيعية ذات التوجهات المختلفة، فانعدمت تقريبا استراتيجيةٌ موحّدة تضمن وضوح المواقف تجاه الملفات الحساسة مثل العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الإقليمية. وهكذا نشأت "أزمة هوية خارجية" للعراق، إذ بدا المشهد غامضا أحيانا بين خطابٍ يعبّر عن مصالح الدولة ككل، وخطابٍ ثانويٍّ يعبّر عن مشاريع فرعية ذات صبغة مذهبية أو ارتباطات إقليمية.


إرهاصات الاعتدال الشيعي من منظور غربيقبل 2003، كانت إيران تمثل النموذج الشيعي الأكبر في المنطقة، وتحولت تجربتها إلى ميدان جدلٍ في أوساط الشيعة العراقيين؛ إذ انقسموا عموما إلى خطٍ يمكن وصفه بـ"اليمين" المنحاز لرؤية الجمهورية الإسلامية، وخطٍ آخر "يميني الوسط" أكثر قربا من المرجعية الدينية في النجف الأشرف، ويتبنى خطابا وطنيا.

 وقد لفت هذا الخط المعتدل أنظار الغرب؛ إذ نظر الأخير إلى الحالة الشيعية العراقية باعتبارها حاملة لمشروعٍ وسطيّ قادر على تمرير وتسوية قضايا شائكة، لا سيما أنّ الأطراف اليمينية المتشددة قد تصعب عليها مرونة التعاطي مع بعض الملفات الحساسة حسب رؤيتها. وهنا لعبت هذه الثنائية المعتدلة دورا جوهريا في تخفيف حدّة التوترات الإقليمية، ورأى الغرب في الخط الشيعي الوسطي جسرا للتواصل مع الشرق الأوسط الجديد. وامثلتها كثيرة، مثل التقارب السعودي- الايراني بوساطة عراقية، والتفاهم الإيراني - الامريكي.

 
خسوف الاعتدال بعد 2018وبعد تشتت الرؤية العامة للدولة، ورؤية الشيعة خصوصا، في 2014 وظهور داعش الذي كان وليد مؤامرة اقليمية- دولية، امسى العراق بمفترق طرق، اما ان يرمم وضعه خارجيا لاستعادة الدولة او تسليم الحكم للأرهاب. استطاع العراق بكسب الدعم من جديد، وتشكيل تحالف دولي لمقاتلة داعش، اضافة الى الزخم الذي اضافته فتوى المرجعية بالتطوع بصفوف القوات الامنية، الفضل في هزيمة داعش، وخروج العراق اقوى من قبل، بسبب التزام الدولة بالمعادلة الوسطية للرؤية الشيعية المعتدلة.

 بيد أنّ هذا الخط الوسطي فقد بريقه بعد عام 2018، عندما تبنت غالبية القيادات الشيعية ما يمكن وصفه بـ"المعادلة اليمينية" بصورةٍ أقرب إلى الأحادية، ما أدّى إلى تراجعٍ في الهوامش التوافقية، وزيادةٍ في حدة الاصطفافات السياسية. وكانت النتيجة سقوط الحكومة خلال عام واحد، بسبب انسداد أفق المشاركة الوطنية الجامعة. وتلاشى بذلك الدور الإيجابي الذي كانت يمكن أن تلعبه الدبلوماسية الشيعية المعتدلة بوصفها شريكا مؤسساتيا يُدار من داخل الدولة وليس من خارجها.
مستقبل السياسة الخارجية الشيعية في ظل المعادلات الجديدةاليوم، ومع التغيرات الدراماتيكية في خارطة الشرق الأوسط، بدءا بتراجع نفوذ المحور الإيراني نسبيا، وصولا إلى الانعطافات في التحالفات الدولية، تلوح فرصة للشيعة العراقيين كي يعيدوا تعريف أنفسهم كمحورٍ معتدلٍ جديدٍ يبتعد عن الوصايات الإقليمية والمقاربات الضيقة. وتقتضي هذه الرؤية أن تكون السياسة الخارجية الشيعية جزءا لا يتجزأ من سياسة الدولة الرسمية، لا أن تتضارب معها أو تتشكّل بوصلةٌ إضافية موازية.

 ولعلّ تجاهل بعض القوى الشيعية لأهمية وزارة الخارجية وأدواتها الدبلوماسية، وإفساح المجال للكرد ليتصدّروا المشهد الدبلوماسي، سواء عبر حقيبة الوزارة أو لجان العلاقات في البرلمان أو حتى مكاتب الاستشارة لرئيس الحكومة، إنما يعكس فراغا شيعيا واضحا في إدارة ملف العلاقات الدولية.


ولئن كان يُقال في الأروقة السياسية إنّ “لا يُعلى على الدبلوماسية الكردية”، فإنّ ذلك لا ينبغي أن يستمرّ مبررا لتراجع الدبلوماسية الشيعية. على العكس، فإنّ الأفق الراهن يستدعي ظهور قيادة شيعية واعية تتبنّى منهجا وسطيا عابرا للطائفية، يؤكّد أنّ مصالح العراقيين كلها تُمثَّل بلسان واحد، وأنّ الدبلوماسية الحقيقية هي التي تكسر الجدران الإقليمية لا أن تنغلق خلفها. إنّ عودة الصوت الشيعي المتزن إلى منصات الحوار الإقليمي والدولي مطلبٌ ضروريٌ لترسيخ دور العراق لاعبا محوريا في المنطقة، ودولة تفرض نفسها بشخصيةٍ جامعة، لا بحساباتٍ فرعية أو انحيازاتٍ خارجية.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2025 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن