احمد الوندي
قدرُ العراق الجيوسياسي جعله نقطة التقاء ثلاث استراتيجيات إقليمية متصارعة، تتقاذفه أمواج المدّ والجزر، محوّلة واقعه السياسي إلى ساحة صراع دائم بين قوى كبرى، لكل منها طموحاتها وأجنداتها.
الاستراتيجية الإيرانية - الشرقية تمتد جذورها في عمق التاريخ، حيث يتشابك الإرث الفارسي مع النزعة التوسعية، متكئاً على أيديولوجيا دينية، ومحصّناً بدعم من المحور الصيني-الروسي، الذي يرى في المنطقة ساحةً مناسبة لكبح التمدد الغربي ونقل الصراعات إليه.
الاستراتيجية التركية لا تخفي حنينها إلى أمجاد العثمانيين، تستحضر إرث الإمبراطورية عبر مفاتيح أيديولوجية، تتجسد في سياسات توسعية ناعمة وخشنة، تسعى لاستعادة نفوذٍ غابرٍ في الجغرافيا العراقية.
أما الاستراتيجية الغربية - العربية، فلا تزال تنظر إلى العراق كحاجز أمام التمدد الشرقي، مستعيدة مفهوم "البوابة الشرقية"، ولكن ليس لحماية العرب فحسب، بل لحماية مصالح الغرب في عمق الشرق الأوسط.
في ظل هذه المعادلات المُعقدة، يصبح إنشاء نظام سياسي قادر على المناورة ضرباً من المحال، حيث تظل أفضل السيناريوهات المتاحة هي الحفاظ على التوازن الهش، دون ترجيح كفّة على أخرى. وإن كان لا بد من النظر إلى تجارب مشابهة، فالتجربة الجورجية تقدم مثالاً واضحاً على الفشل في تحقيق توازن بين القوى المتصارعة، إذ ظلّت محاصرة بين المطرقة الروسية والسندان الغربي، دون أن تتمكن من فرض نموذج ناجح يُخرِجها من عنق الزجاجة.
إن استمرار العراق كدولة عاجزة، تتقاذفها الاستراتيجيات الإقليمية والدولية، لا يمثل أزمة لهذه القوى، بل يوفر لها متنفساً استراتيجياً وفرصة لمراكمة النفوذ. فالعراق، في ميزان القوى، ليس كياناً محايداً، بل ورقة تفاوضية كبرى، والطرف الذي يظفر به يحصد امتيازات تفوق خصومه. لذا، فإن سيناريو تحييده على غرار التجربة السويسرية يبدو مستبعدًا، ليس فقط بسبب تعقيد موقعه الجغرافي، بل لأن غيابه عن الصراع يعني اختلالاً في موازين القوى.
بواقعية شديدة، لا يمكن الحديث عن توازن حقيقي، كما أن الانحياز لمحور دون آخر هو خيار محفوف بالمخاطر. وإن كان للتاريخ عبرة، فقد شهدنا كيف أن نشوء العراق كدولة تابعة للتاج البريطاني لم يمنحه القدرة على صدّ تأثيرات الاستراتيجية الشرقية، ما أدى إلى انهياره السريع. وكذلك، لم تصمد الجمهورية الأولى، وصولاً إلى تجربتنا الحاليو، التي لم تفلح في بناء معادلة مستقرة في ظل هذا التشابك الإقليمي والدولي المعقد.
العراق، في أحسن أحواله، لن يكون سوى تابعٍ محايد، وإن كان ذلك خياراً لا يقل صعوبة عن غيره.