05A2EDD17376135DD5B5E7216D8C98DB
27 Jan
27Jan

جعفر الحسيني 


يردد النظام الرسمي العربي ومعه الغوغاء الذين يؤمنون به - صراحة أو  همساً - ثلاثة اكاذيب ليبرروا  بها تقاعسهم او خيانتهم للقضية الفلسطينية. فالفلسطينيون هم الذين باعوا أرضهم- وهذه أولى الاكاذيب -  وذلك ما لم يقله التاريخ الرسمي الإسرائيلي ، والذي رغم تزويره للحقائق المتعلقة بالنكبه لم يجرأ على ترديد ذلك ، انما اختلق رواية اخرى تقول :"أن الأمر يتعلق بترحيل إرادي كبير لمئات الآلاف من الفلسطينيين، الذين قرّروا مغادرة منازلهم وقراهم مؤقتاً، وترك الأرض للجيوش العربية الغازية القادمة، لتدمير الدولة اليهودية الوليدة" . 

والحقيقة ان 6 ‎%‎ من الاراضي التي أمست بحوزة اليهود حصلوا عليها بالشراء ، واغلبها تم شراءها  من اقطاعيين بعضهم غير فلسطينيين، وكان هؤلاء يتصورون انها مجرد عملية بيع وشراء طبيعية ، وعندما اتضح انه مشروع صهيوني للاستيلاء على فلسطين لم يتم بيع شبر واحد منذ الثلاثينات .

 و في مذكرات  الارهابي بن غوريون مؤسس دولة اسرائيل - التي لايزال الكثير منها سرياً  رغم مرور اكثر من سبعين عاماً على تدوينها - بانه يجب تنغيص عيش اللاجئين الفلسطينين ودفعهم الى شرق الاردن . الاخطر من هذا  يرد فيها اشارة لتصنيع مادة تسبب السرطان ،وأظن ان الهدف منها لايحتاج الى توضيح . 

ويفضح المؤرخ الاسرائيلي آدم آزار ، في كتابه ( نهب الممتلكات العربيه خلال حرب الاستقلال ص 321 ) مايسميه : ( ظاهرة كانت ذات أهمية حاسمه في تشكيل المجتمع والدولة في اسرائيل، وهي ظاهرة نهب الممتلكات الفلسطينية خلال النكبة ) .

 وهكذا بالقتل والاغتصاب والارهاب تم تشريد الفلسطينيين …ويشعر المرء بالصدمة والذهول عند  قراءة كتاب المؤرخ الاسرائيلي الشهير ايلان بابي : التطهير العرقي في فلسطين.ا

لكذبة الثانية :  - إن العرب، أنظمة وشعوباً، قد انهكوا بعدما انهمكوا في القضية الفلسطينية أكثر من نصف قرن من الزمان. وقد تعبوا من هذه القضية التي عادت عليهم بالضرر الكبير أكثر مما عادت بالنفع. ( صحيفة الجريدة الكويتية19-06-2007) . 

والحقيقة ان الانظمه العربيه لم تقاتل من اجل فلسطين الا في  حرب واحدة، عام 1948 ، اما الحروب الاخرى فقد فرضتها عليهم اسرائيل ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بتحرير فلسطين، أو دفع الاذى عن الشعب الفلسطيني. فمثلاً اسرائيل وضعت مخططاً - عام 1963 - لاحتلال باقي فلسطين، وأعدت أدق التفاصيل له ، فكانت حرب حزيران 1967 ، وهو ما ينقض السردية التاريخية المعروفه ( راجع كتاب أكبر سجن على الارض لايلان بابيه ص 5 وما بعدها ) ، ولعل المرء يحتاج  أن يتأمل طويلا هذه المعلومة الخطيرة التي كشفها هذا الكتاب الصادر 2020 ،و الذي يحمل عنوانا فرعيا :  سردية جديدة لتاريخ الأراضي المحتلة .

 ومع التقدير لبطولات وتضحيات الضباط والجنود العرب ، فقد كان أداء الجيوش العربيه في الحرب الاولى بائساً وينقصها كل شيء من تدريب وتسليح وتجهيز …الخ ( راجع مثلا تقرير قائد القوات العراقية في تاريخ الوزارات ج 7 ص 297) ، وكانت حكوماتها متواطئة مع العدو ( راجع كتاب الملك عبدالله والحركة الصهيونية وتقسيم فلسطين لآفي شلايم ) ، حتى ان وزيرا عراقيا فضح في مذكراته مسؤولين عراقيين كانوا  يبيعون البنزين للجيش الاسرائيلي الذي كان يقاتل  جيش بلادهم ( رافائيل بطي ذاكرة عراقيةج2 ص 140 ) .  الكذبة الثالثة، هي الفرص الضائعة من قرار التقسيم الى معركة غزة ، وكأنه كانت هناك أصلا فرص !!!!! فالوثائق الاسرائيليه كشفت بأن حكام مصر والعراق والاردن اتفقوا سراً مع اسرائيل على تقسيم فلسطين وتهجير الفلسطينيين من الجزء اليهودي الى دول عربية أخرى( بني موريس ص 95 - 97 ) لكن بن غوريون لم ير التقسيم إلا كمرحلة وسيطة في إقامة إسرائيل، قبل أن تتوسع الدولة اليهودية لتشمل كل فلسطين باستخدام القوة  .

وهاهم العرب يعرضون السلام على اسرائيل - على الاقل منذ مؤتمر فاس 1982 - ويُقابلون مرة بالرفض ومرة بالانكار ومرات بالتسويف والمماطله . وهاهي منظمة التحرير الفلسطينية قد عقدت مع اسرائيل اتفاقية اوسلو، وكانت النتيجة ان اسرائيل قضمت 42 ‎%‎ من مساحة الضفة وسيطرت على 87 ‎%‎ من موارد مياهها و90 ‎%‎ من غاباتها و 49 ‎%‎ من طرقها ، فضلا عن طرد آلاف الفلسطينيين من مساكنهم ، فقد بنت 49 ‎%‎ من المستوطنات على أراض فلسطينية خاصة.وقامت بضم القدس الشرقية اليها ، والاستيلاء على الكثير من عقاراتها ، وتشريد أهلها ، وتحويل غزة الى سجن كبير  .

 بحيث لم يعد بالامكان اقامة دولة فلسطينية حقيقية على الضفة وغزة .

حتى مصر ، ورغم معاهدة السلام عام 1979 ، والتزام مصر حرفياً بمضمونها ، فان مصر لم تتحول الى كوريا ، وظل وضعها بين بين ، وقد يرى القارئ بأن الأنظمة المصرية المتعاقبة هي المسؤولة عن تعثر التنمية فيها ، لكن كوريا - عندما أخذت امريكا بيدها   في الستينات - لم تكن ظروفها بأفضل من مصر ، ولا انظمتها أحسن منها .انما هناك سبب بسيط وجوهري يُفسر ذلك ،  فمن غير المسموح لدول المركز العربيه بأن تصبح يوماً نداً لاسرائيل ، ويتصل بهذا  انتقال القرار العربي  - تدريجيا- الى دول الاطراف العربيه ( الامارات، قطر …الخ ) وهكذا نرى ان قطر والامارات أخذتا تتحكمان أو تتدخلان بمصير اليمن وسوريا وليبيا والسودان  وتتلاعبان بدول المركز  !ثمة أمر من المفيد الاشارة اليه وان كنا قد نخرج به عن موضوعنا قليلاً ، ولكنه قد يلقى الضوء على بواطن الامور في منطقتنا ، وان يرى البعض في تفسيرها استغراق في نظرية المؤامرة ، ولهيكل مقولة رائعة: المؤامرة جزء من التاريخ ، ولكن التاريخ ليس كله مؤامرة ! فثمة  سؤال يطرح نفسه : لماذا تستوعب  تشيلي أكثر من نصف مليون فلسطيني في حين ان  دول اوربا مجتمعة لا تستوعب الا حوالي نصف هذا العدد ومثلها الولايات المتحدة تقريباً بينما كندا خمسين ألفاً وأوستراليا أقل من 15 ألفاً ،وهي دول  تستقبل مئات آلاف المهاجرين واللاجئين سنوياً . يبدو ان سبب ذلك حتى لا يشكل الفلسطينيون لوبياً قوياً لقضيتهم في تلك البلدان ولا يكونوا قوة ساندة لشعبهم في الارض المحتلة.

أخيراً اريد أن أختم مقالتي بالاشارة  للمؤرخ الاسرائيلي الذي مر ذكره في هذه المقالة اكثر من مرة البروفيسور  ايلان بابيه ، والذي قاتل مع الجيش الاسرائيلي على جبهة الجولان في حرب تشرين 1973 ، ولكنه اثناء دراسته للتاريخ اكتشف حقيقة الصهيونية وجرائم اسرائيل ، فتغير الرجل تماماً وتحمل ما تحمل من تبعات ذلك حتى اضطر أن يغادر اسرائيل ، اذ صار يؤمن بإلغاء اسرائيل والقضاء على الصهيونية ، و البديل عنده يتمثل في فلسطين مدنية وديمقراطية من النهر إلى البحر،  تستقبل اللاجئين ( الفلسطينيين) وتبني مجتمعا لا يميز بين أفراده على أساس الثقافة أو الدين أو العرق، وتصحح سيئات الماضي مثل سرقة الممتلكات وإنكار الحقوق، وهو ما سيبشر بعصر جديد لمنطقة الشرق الأوسط بأسرها - حسب تعبيره حرفياً .

في مقابل هذه الصورة الراقية التي أمتزجت فيها الثقافة بالممارسة ، نجد عندنا مثقفين وقد تصهينت عقولهم ، ولا تهز ضمائرهم جرائم اسرائيل،رغم مايرددونه من شعارات حول الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان !!!!!

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2025 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن