د.مظهر محمد صالح
منذ يوم تخلت روسيا وبسلبية عالية عن دور إيران وحكم بشار الأسد في سوريا لتحل تركيا الأردوغانية محل إيران ولاية الفقيه ، وروسيا مازالت تتفرج بدم بارد عما جرى على سواحل وهضاب الشام ، وهي التي كانت ومازالت تشغل إتفاقات استراتيجية وقواعد عسكرية على الأرض والمياه السورية، ذلك بالرغم من كفة صداقاتها وتحالفاتها مع ايران ، ذات الموج المرتفع والمصالح الأقليمية العالية إن صح التعبير . فقد أخذت روسيا من فورها تتفاوض مع أميركا الترامبية حول الحرب في أوكرانيا عبر جغرافيا سياسية مكانها اليوم الضفة المقابلة من الخليج لإيران، ليظهر لاعب قوي جديد بعد تركيا، وهي السعودية كأنموذج لنشوء وتبلور منطقة ربما هي تأسيس لولادة شرق أوسط جديد، إذ أن جميع التحركات الروسية منذ سقوط نظام الأسد ومجيء ترامب،تؤشر أن روسيا ليس بالصديق الذي يضحي بمصالحه الاستراتيجية الكلية من أجل إيران تحديداً ، بل يرغب من خلال شراكاته (الأمريكية )الجديدة سحب القاطرة الإيرانية بالجري خلف تفاهماتها، إذ تأتي التفاهمات الروسية مع الولايات المتحدة (رأس الحربة الغربية الأنكلو سكسونية ) في المقدمة وهو ما يضع كبرياء إيران في زاوية محصورة .فما نراه اليوم، أن الاستسلام الإيراني للتوافقات الروسية الأمريكية سيضع طهران عاجلاً أمّ آجلاً في آخر عربة قطار السياسة الدولية، وهو أمر يعد أخطر وأضعف ورقة من التفاهم بين إيران مع الغرب وحل المشكلات معها مباشرة، لكون ذلك الحشر المبهم سيفقد إيران أوراقها التفاوضية من خلال الطرف الثالث وتوافقاته غير المعروفة أو المبهمة مع الولايات المتحدة، كما سيولد ذلك الانحياز المتسارع لروسيا في المرور والقفز إلى العالم الأمريكي أضراراً بصورة إيران في المحافل الدولية ويحد من فرص التعاون مع المؤسسات المالية الدولية المتعددة الأطراف، فضلاً عن تأثير ذلك على العلاقات الإيرانية مع قوى دولية مهمة أخرى مثل الصين أو الاتحاد الأوروبي …!!!وهنا يؤشر المفكر السياسي العراقي الكبير ابراهيم العبادي في مقال مهم عنوانه: تغيير الشرق الأوسط بالقول:"فالمهتمون يرون أن روسيا التي وقعت مع إيران قبل أسابيع قليلة إتفاقية تعاون ستراتيجي، صارت مستعدة للتنصل من الثيمة الأهم في هذا الاتفاق، ثمنا لتقاربها مع واشنطن وطمعاً باستثمار انعطافة ترامب نحوها ورغبتها في وقف حرب أوكرانيا، إيرانيون كثر يشككون بالتزام روسيا أزاء بلادهم، وبعضهم يعتقد بأن روسيا لديها استعداد لعقد صفقة مع أمريكا على حساب التحالف مع طهران،خصوصاً بعد المفاوضات الناجحة بين وزيري الخارجية الروسي والأمريكي في الرياض، هذا يشير إلى أن سياسة التوجه شرقاً لم تجلب لطهران نقاط قوة جديدة، ولم تُحسن أوراقها التفاوضية، وقد سبق لها توقيع إتفاقية ستراتيجية مع الصين ولم تكسب منها كثيراً على الصعيد الاستثماري والاقتصادي.عندما تتضائل الخيارات وتضعف أدوات القوة ،فإن ذلك سيغري الآخرين (أمريكا - إسرائيل -أوربا ) لممارسة المزيد من الضغوط على طهران، وسيحفز ذلك الرأي العام الإيراني، ليضغط باتجاه ستراتيجية دفاعية وأمنية ومواقف جديدة، تضحي بالأوراق الخارجية التي اعتمدت عليها إيران سابقا، لصالح سياسة أمن وطني جديد، تقوم على تقديم تنازلات عبر مفاوضات مباشرة ، لكن الإيرانيين يدركون أن التفاوض المكشوف تحت سقف ضغوط ترامب القصوى لن يفيدهم في الخروج بصفقة متوازنة، تعود عليهم بمكاسب مقابل مايتنازلون عنه، المأزق كبير بطبيعة الحال، والصمود الاضطراري سيكون مؤلماً …..!!!"ومن هنا نعتقد ، أن ما ستؤول اليه إيران هو الذهاب المباشر مع الغرب دون المرور بالأوراق الروسية الغامضة والصعبة.بل نرى من الضروري أن تتعامل إيران ببراغماتية في علاقاتها مع روسيا، ومن المهم أن توازن طهران الاستفادة من علاقاتها بموسكو دون الوقوع في عزلة أو مواجهة مع القوى الغربية الكبرى . فالحفاظ على نهج مستقل ومتعدد الأطراف هو الخيار الأفضل في ظل عالم مبهم متغير ويتشكل من جديد بتعددية الأقطاب في حروب ناعمة متسارعة.