05A2EDD17376135DD5B5E7216D8C98DB
24 Jan
24Jan

حسين العادلي


((رأى هارون الرَّشيد سَحَابة، فقال لها: "امطري حيث شئتِ، فإن خِراجك لي")).
*مَشهَد من تَاريخ أدبَر، ومع كُلِّ سَحَابةٍ يُقبِل*
• فَرقٌ في الوَعي، بين أن تكون مَلِكاً فتأمُر السَّماء بسُحبها مُباهاةً دون أن تملكها (وهم السّلطة)، وبين أن تكون سجيناً لا ترى سماءً لكِنَّكَ تَثقّ بمُزنِ سُحبها (يقين المُصلِح). (الأول) هارون، و(الثاني) موسى.
• فَرقٌ في الحَالة، بين أن تخاطِب سَحابَة من فوق أريكَة عَرشك وهي في الأعلى تمر دون أن تراك، وبين أن تموت في مَطمُورة فيحمِلُك التاريخ كعِبرَة تَتَجدَّد مع كُلِّ سَحَابة مُزن. (الأول) هارون، و(الثاني) موسى.
• فَرقٌ في النيَّة، بين أن تنظرَ للسّحَابة كمُلك فتُطالِب عندها بالطّاعة والخِراج، أو أن تأمَل من السّحَابة المُزن لِتَرتَشِف الأرض بركَاته. (الأولى) نَيَّة هارون، و(الثانية) نَيَّة موسى.
• فَرقٌ في التوظيف، بين أن تنظرَ للسّحَابة كضَرعٍ يُحلَب، أو أن تُبصِر بالسَّحَابة كمُزنٍ يُوهَب. (الأولى) نَظرة هارون، و(الثانية) نَظرة موسى.
• فَرقٌ في الحِكمة، أن تَعتبِر كل سَحابة خِراجاً فتخدعك عندها السُحب العابِرة. وبين أن تَنظر لكل سَحابة أنها جمالاً وأملاً فتصدقك عندها كل سُحب السّماء. (الأولى) نَظرة هارون، و(الثانية) نَظرة موسى.
• فَرقٌ في البَصيرة، بين مَن يريد أن يملُك السَّحَاب، وبين مَن يريد أن يغمره المُزن. (الأول) هارون، و(الثاني) موسى. هكذا هم أهل السّلطة دوماً، أُسارَى وهَم المُلك وتوهمّ البقَاء، ولا يَرَون بِمُلّكِهم كسَحابة تمرّ وتفنى، بينما الأحرار دوماً يَرَون بأرواحِهم كالمُزن يدر ويبقى.
ليتك يا هارون تَمَعَّنتَ بالسَحَابة جيداً لِتعرِف المُلك والمَالِك، والمالِك والمملوك، فتُفَرّق بين الحُرّ والعَبد!!
• يا هارون: الفرق بين المالِك والمملوك هي الإرادَة، قوّة الإرادة فيما تختار،.. وانظر كيف أنَّ سَلاطين الأجساد تتحكّم بهم الأشياء، وسَلاطين الإرادة يتحكمون بالأشياء. هنا الفارق يا هارون، أن تَملُّك لا أن تُملَّك، سواء كنت حَاكِماً أو محكومَاً، سواء كنت طليقاً أم مُكبّلا،.. الإرادة الحُرّة هي المَائِز،.. الإرادة المتحَررة من قيدِ الطَّاعة المخزِية للظلم والخَطيئة والباطل.. هي المَالِكَة للموقف والصانِعة للبقَاء.
• ويا هارون: ليتَك (كَظَمت) هواجِسك وأنت تُخَاطِب السَّحابَة، كي لا تفضَح سريرَة السَّلاطين في كل عَصرٍ ومع كُلِّ سَحَابة حُكم يَمر!! يا هارون؛ ليتَكَ أدرَكت، أنَّ الحُكم سَحَابة، والبصير مَن اعتَصَر مُزنها خيراً للنَّاس، ليَخلُد.
*ومَهلاً يا هارون، هل تعرف أنت وأهل السَّلطة معنى (الكَاظِم)؟*
• يا هارون: (الكَاظِم) هو المُمّسِك لٍنَفسِه عن طُغيانِ النِّرجسيّة وطَفح الهوى ودَرَك السُفُول، الحَابِس لٍنَفسِه عن دَنايَا الدُّنيا،.. المُتَمرِّد على طَاعَة البَاطِل، والرافِض لشَنَار التَّسليم للمُنّكَر، وإن كانت الطَّامورة المصَير، والروح الثَّمن.
• يا هارون: كُل حُرٍ وأَبِيّ عِبر التاريخ هو (كَاظِم)، كُل أمينٍ وشريفٍ ومُكاشِفٍ ومَنِيعٍ وأَنِفٍ ضد الظلم والفساد والخطيئة هو (كَاظِم)، وإن غيّبَتهم حُفر السّجون ومَطَامِير الطُغَاة وأترِبة النَّسيان.
• أخيراً يا هارون، إن شَكَكت (ومعكَ كُلَّ أهل السُّلطَة) بالعاقبة والمَآل، فاسأل السَّحَابة التي خَاطَبت، عن مُلّكِك ومُلّك موسى، أيّ مُلّكٍ اسْتَقَر أو اندَثَر، وأيّ مُلّكٍ دَامَ أو ارتَحل!!
و{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2025 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن