05A2EDD17376135DD5B5E7216D8C98DB
14 Feb
14Feb



جعفر الحسيني

 المواطن 14 شباط 2025
في ليلة دامسة الظلام ، حيث كنتُ في زنزانة انفرادية بالامن العامة ،اقتادني أحد عناصر الامن بقسوة الى غرفة صغيرة في البناية التي يسمونها بالفنية ، وهناك انتزع العصابة التي وضعها على عيني ، فرأيت سجينا يقف الى جواري مفتوح العينين ايضا ، ولم أستطع أن اتبين ملامحه ، كان أمامنا حوض فارغ يصل الى نصف ساق المرء . ثم جاءوا بسجين بعينين معصوبتين وأدخلوه الحوض وربطوا يديه ورجليه بماسكات حديدية مثبتة بالجدار ، وسكبوا عليه بنزيناً ملأ ما تساقط منه بعض الحوض ، وأشعل ( رائد عامر ) عود كبريت ورماه عليه ، فاحترق الرجل الذي ملأ الكون صراخاً ثم همد  بعد لحظات ، وتدلت بقايا جثته المتفحمه ، وحامت فوقنا غيوم الموت  واكتظ المكان بدخان الحريق ورائحة شواء بشري . فالتفت ( العميد زهير) الذي كان يشرف على العملية لكلينا نحن المتسمرين على الحائط والذين كنا - أو على الاقل هذا شعوري انا - ننتظر دورنا الى الحوض : هذه شعلة البعث ، وهذا مصيركما . ثم التفت الى العناصر الحاضرين وقال : أعيدوهما للزنزانه ! رائد عامر اسمه الحقيقي: عادل ابراهيم البرزنجي  ، وكان يبيع السيجائر في سينما الاعظمية ، ثم تطوع في الامن العامة وأفرغ في ضحاياه كل طفولته المشوهة تعذيباً وقتلاً واذلالاً ، فكان بعضهم يموت  بين يديه تحت التعذيب ، بينما يرسل الاخرين الى محكمة الثورة ليعدموا أويسجنوا .وقد  قُتل في زمن صدام .اما العميد زهير - وهو محور هذه المقالة-فهو الاسم الامني لمدير الشعبة الخامسة بالامن العامه ، واسمه الحقيقي: سعدون صبري جميل جمعه ، وهو ليس بقيسي كما يدعي ، انما من أصول عثمانية. وكان والده موظفا في الديوانية حيث ولد سعدون عام 1947 . والعجيب وخلافا للعادة  حيث يحن المرء لذكريات الطفولة ويهوى مسقط رأسه ، فقد كان يبغض الشيعة بغضا شديدا، الامر الذي يحتاج الى تفسير !!!!!!!!!!كان هذا الجلاد يردد انه قتل سبعين ألفاً، اي انه اصدر الاوامر بذلك فضلاً عمن أعدمهم بيده ، وعندما استكثر عليه احدهم الرقم ، اجاب سعدون : لا 25 ألفاً.وقد رأيته في مشهدين آخرين : الاول عندما استدعاني الى غرفة التحقيق ( الارهابية) ، والتي ما أن دخلتها حتى قفز واقفاً على صدر معتقل من مدينة كربلاء عمره 15 سنه، كان ينازع وهو ممد على الارض  ، فظل يقفز عليه حتى خرجت روحه ، كان وهو يفعل ذلك يسئلني : أين ابوك ؟ رددت عليه : بالبحرين ، فقال : خرج منها ، فرددت عليه بخوف ورهبة : والله ما ادري ، فشتمني وشتم والدي ثم أشار عليهم باخراجي من الغرفه .الثاني : كان هناك شاب مربوط بالقرب مني ( وكنا جميعاً مربوطين كالاغنام بالارض ) ، ويبدو أنه من عائلة مهجرة ، فأنهال عليه ضربا ورفسا وبوحشية وهو يصرخ : عجم كلاب ، حتى مات المسكين بين يديه !ذات يوم وكنا في زنازين انفرادية ، روى لي الاستاذ مجيد علي السعد - أطال الله في عمره-  وهو شخصية سياسية مثقفه ومن شيوخ البو فهد بالانبار ،  ما وضع الخيط في يدي لتتبع قصة استشهاد السيد الصدر على يد هذا الجلاد . وبعد عام ونصف قضيتهما في الحبس الانفرادي ، نقلوني الى الزنزانات الجماعية، وظللت بحذر شديد أتلقط أخبار هذا الجلاد  .وبعد خروجي من السجن ، وصدور كتابي : على حافة الهاوية - لندن  2002 - سميتُ الفصل الثامن منه والمخصص لجرائم النظام بالثمانينات بشعلة البعث ، والتي مر ذكرها في أول المقالة ، وقد أسفتُ فيما بعد على عدم تسمية الكتاب كله : شعلة البعث .وسقط النظام ، ونشرتُ بعد بضعة اشهر مقالتي الشهيرة : هكذا قتلوا الشهيد الصدر ( تشرين اول 2003 ) . والتي أخذت بنشرها كل عام وأحيانا أكثر من مرة بالعام .وصارت ملاحقة هذا المجرم قضيتي بالحياة وهاجسي الاول ، وطرحت الامر على المالكي فحملني طلباً - في 3 تشرين الاول 2011 - الى الحكومة السورية حيث يتواجد سعدون صبري  بعد 2003 متخذاً اسماً آخر ( الحاج صالح ) .ذهبتُ مباشرة الى اللواء محمد ناصيف ( ابو وائل) معاون الرئيس للشؤون الامنيه ، وشرحتُ له الامر وسلمته الطلب . فنهض وكلم بشار الاسد مباشرة بالتلفون الارضي ، وأخبره بأن موفداً سرياً جاء يحمل طلباً من الحكومة العراقية ، فوجهه بالحضور أمامه مساءً .ابلغني ناصيف في اليوم التالي بأن الاسد لم يُوافق على تسليمه أو تسليم الاخرين المذكورين بالطلب ، خشية أن  يكون للامر إثارات  طائفية. فرددت على ناصيف : سلمونا فقط الاسماء الشيعيه الموجودة بالقائمة . فرفض ذلك ايضا. هنا قُلت له :  المالكي رئيس حزب الدعوة يدعمكم بكل قوة ، وقد أختلف مع امريكا  بل ومع الدنيا كلها بسببكم ، وانتم تأوون مَن قتل مفكر الدعوة وذبح الدعاة ، انتم بذلك تحرجون المالكي وتسيئون الى علاقة العراق بكم . فسكت ولم يرد .خرجتُ منه وذهبت الى الدكتورة بثينة شعبان مستشارة الرئيس في بيتها بحي المالكي ، وشرحتُ لها بألم وامتعاض ما جرى مع ناصيف  ، فأجابتني بما عرف عنها من حصافه وحكمة : انا حضرت الاجتماع ليلة أمس، الذي أفشل جهودك ناصيف نفسه . ثم عقبت : جلاد يُدافع عن جلاد .بعد بضعة اسابيع ، سافرتُ ثانية الى سوريا وذهبتُ الى رئيس الأمن السياسي اللواء محمد منصورة - وكان المالكي نفسه هو الذي عرفني به سابقاً    - وأعدتُ عليه الرواية ، فأخذني بعيداً عن التلفون وهمس لي قائلاً : أي شخص تريدونه أنا اسلمه لكم حتى فلان . طرتُ فرحاً . لكن العلاقات بين البلدين وقتها كانت قد توترت !!!!وظللت أتابع الجلاد وتنقلاته سنين وسنين ،وطرقت ابواب جهات عديدة ، ولم  أكِلَّ .. ولم أمِلَّ.ثم وبينما كنتُ على متن الطائرة - في 12 حزيران 2024 - متجهاً الى دمشق ، واذا بالشيخ قيس الخزعلي يتصل بي ويبلغني بالخبر الذهبي : سعدون صبري في أيدينا ببغداد، وسأرسل لك صوره ومستمسكاته . ثم طلب مني أن نلتقي فوراً ، لكنني لم استطع  النزول من الطائرة  اذ سارت على المدرج، واتفقنا أن أختصر سفري وأن نلتقي بعد عودتي . ان هذا الجلاد كان سبب مأساة عائلتنا ، وهي الاقل قياساً لمأساة  غيرنا . فقد أضطر والدي البعيد عن عالم السياسة أن يغادر العراق في 10 / 10 / 1980 ، وحكموه بالاعدام غيابياً ، وحكموا بالاعدام ايضا على أخويي الكبيرين والذين كانا يعملان مع الثورة الفلسطينيه والتي قامت باخراجهم واخي الثالث عبر مطار بغداد بجوازات دولة عربية مجاورة ، واخذوا زوج اختي الذي كان مرشداً تربويا ولم نعثر عليه حتى هذه اللحظة ، وحكموا عليّ بالسجن . وكلنا كانت تهمتنا : حزب الدعوة ، رغم انه لا يوجد بيننا مَن انتمى تنظيمياً لحزب الدعوة . ونهبوا بيتنا و مكتبه والدي التي تضم آلاف الكتب وعشرات المخطوطات ، وتشردت عائلتنا وماتت امي في ظروف مأساوية ولم يشيعها أحد .

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2025 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن