د.باسل حسين
منذ عام 2003، شهد العراق تحولات سياسية واجتماعية عميقة أعادت تشكيل المشهد العام، بما في ذلك الخطابات النخبوية داخل المكونات المختلفة. وفي حين برزت داخل الأوساط الشيعية مجموعات نقدية ناضجة تناقش التجربة السياسية الشيعية بأدوات تحليلية وتعيد تقييم مساراتها، فإن الساحة السنية تبدو أكثر تحفظا، بل تكاد تخلو من تيار نقدي نخبوي واضح المعالم، باستثناء محاولات فردية محدودة، كان من أبرزها كتابات الدكتور يحيى الكبيسي.
لذا يطرح غياب المجموعات النقدية السنية عدة تساؤلات، لعل أبرزها: هل يرتبط هذا الغياب بتموضع المثقف السني داخل المنظومة السياسية، أم أن هناك أسبابا بنيوية أكثر تعقيدا تتعلق ببيئة النقد داخل هذا الوسط؟ للإجابة عن ذلك، لا بد من استعراض مجموعة من العوامل التي قد تفسر هذه الظاهرة. بالمقارنة مع الحالة الشيعية، يبدو أن المثقف السني أكثر التصاقا بالطبقة السياسية، وهو ما يعوقه عن تبني خطاب نقدي مستقل. فالعديد من النخب السنية، سواء من الأكاديميين أو الإعلاميين أو الباحثين، وجدوا أنفسهم في موقع تبرير السياسات السنية، بدلا من مراجعتها ونقدها.
ويمكن تفسير ذلك بعاملين رئيسيين: غياب التمثيل السياسي الفاعل للسنة بعد 2003، ما جعل المثقف السني ينشغل بالدفاع عن وجود هذا التمثيل بدلا من انتقاده، وتداخل الهويات السياسية والطائفية، حيث أصبح أي نقد يفسر على أنه استهداف للهوية السنية ككل، وليس محاولة لتصحيح مسارها السياسي.وفي ظل مشهد سياسي معقد، يعاني المثقف السني من ضغوط مزدوجة؛ فمن جهة يواجه تهديدا من الطبقة السياسية السنية التي لا تتسامح مع الأصوات النقدية، ومن جهة أخرى، يخشى أن يتم استغلال نقده من قبل الأطراف الأخرى لتبرير تهميش المكون السني أو وصمه بأنه غير قادر على إنتاج مشروع سياسي مستقر.
وهذا الخوف له جذور ممتدة، حيث ساهمت الصراعات السياسية والتهميش في خلق حالة من الحساسية المفرطة تجاه النقد الداخلي. إلى جانب العامل السياسي، فإن البيئة الاجتماعية تلعب دورا أساسيا في غياب المجموعات النقدية النخبوية داخل الحالة السنية. فالمجتمع السني في العراق، وعلى عكس بعض الأوساط الشيعية، يميل إلى المحافظة بدرجة أكبر، ما يجعل المثقف الناقد عرضة للإقصاء أو الاتهام بالخروج عن الصف.
في المقابل، نجد أن الساحة الشيعية قد شهدت بروز تيارات نقدية حتى من داخل الأوساط الدينية نفسها، وهو ما لم يتحقق بنفس الدرجة في الحالة السنية.في ظل هذا الواقع، يبقى السؤال: هل يمكن أن تتغير هذه المعادلة، ويشهد المجال السني ظهور تيار نقدي أكثر جرأة واستقلالية؟ يبدو أن هذا الأمر مرهون بعدة متغيرات، أولها تحرر المثقف السني من هيمنة الطبقة السياسية، بحيث يستطيع أن ينظر إلى التجربة السياسية السنية بموضوعية بعيدا عن منطق الاصطفاف. والمصلحة وثانيها تعزيز ثقافة النقد الذاتي داخل المجتمع السني، من خلال إنتاج خطاب فكري يكسر التابوهات وثالثها إيجاد فضاءات مستقلة للنقاش، تتيح للمثقفين السنة طرح رؤاهم دون الخضوع لرقابة القوى السياسية أو ضغط الجمهور.
ولا شك ولا ريب،ان غياب المجموعات النقدية النخبوية في الحالة السنية ليس مجرد عارض زمني، بل هو نتيجة تفاعل معقد بين السياسي والاجتماعي والمجتمعي. ومع أن الأصوات الفردية مثل د.يحيى الكبيسي وبعض الباحثين بدأت تفتح هذا النقاش، إلا أن التحول نحو نقد حقيقي يتطلب تجاوز العقبات البنيوية التي تعيق المثقف السني عن القيام بدوره، سواء بسبب ضغوط السلطة أو الحسابات الطائفية أو المحددات المجتمعية. والرهان المستقبلي يكمن في قدرة هذا المثقف على التحرر من قيود الاصطفاف، وطرح رؤى أكثر جرأة تسهم في تصحيح المسار السياسي السني في العراق.