05A2EDD17376135DD5B5E7216D8C98DB
26 Dec
26Dec


    في عالم تتداخل فيه السياسة بالدين، غالباً  ما يصبح التطرف الديني قوةً قادرة على توحيد الشعوب أو تدميرها. عبر التاريخ القديم هناك قصص تحكي كيف كان هذا التطرف سبباً في سقوط إمبراطوريات ودول كبرى.
في بلاد ما بين النهرين، كانت الإمبراطورية الآشورية تهيمن على العالم القديم، تحمل راية الحروب باسم الآلهة. كان ملوك آشور يتفاخرون بأنهم "شعوب مختارة" ويعاملون الشعوب الأخرى بازدراء مستغلين الدين لتبرير قسوتهم. تزايدت الكراهية بين الشعوب الخاضعة،ما ادى الى سقوطها اذ لم تكن القوة العسكرية فقط هي التي أنهت عهد الآشوريين، بل كان التطرف الديني والسياسي الذي زرع الكراهية في كل مكان.

في قلب مصر القديمة، حيث كان الفراعنة يُعتبرون تجسيداً للآلهة على الأرض، ظهر إخناتون، الفرعون المثير للجدل. لم يكن كغيره من الحكام. قرر هذا الملك أن يهدم نظام العبادة التقليدي بشجاعة – وربما بعناد – أعلن إخناتون عبادة الإله الواحد "آتون"، إله الشمس، وأغلق معابد الآلهة الأخرى. كان التغيير مفاجئاً وصادمًا لشعب اعتاد على تعدد الآلهة، وبدأت البلاد تعاني من اضطرابات داخلية مع فقدان الثقة من الشعب ما ادى الى اضعاف واحدة من اعظم الحضارات في العالم  
في الجنوب القديم من بلاد الشام، كانت مملكة يهوذا تقف في مفترق طرق بين العبادات التقليدية والضغوط السياسية. تعاقب على حكم المملكة ملوك استغلوا الدين لخدمة طموحاتهم، وأصبح التطرف هو السمة السائدة هذه الانقسامات أضعفت المملكة من الداخل والتي استغلها البابليون اذ غزا الملك نبوخذ نصر الثاني القدس، ودمرها تمامًا. انتهت مملكة يهوذا، وتحولت إلى ذكرى في كتب التاريخ.
في روما القديمة، حيث كان تعدد الآلهة جزءاً  لا يتجزأ من الثقافة، ظهرت حركة صغيرة تقودها فكرة جديدة: عبادة إله واحد ، المسيحيون الأوائل رفضوا الانصياع لعبادة الآلهة الرومانية والإمبراطور، مما اعتبره القادة تحدياً خطيراً .  
بدأت موجات من الاضطهاد، حيث قُتل آلاف المسيحيين في الساحات العامة. لكن، مع كل اضطهاد، كانت الحركة تزداد قوة، وتحولت إلى رمز للمقاومة.  
مع الوقت، انقلبت الطاولة، وأصبحت المسيحية الديانة الرسمية للإمبراطورية في عهد قسطنطين. لكن هذا التحول نفسه جلب انقسامات دينية داخل الإمبراطورية، مما أضعفها أمام الغزوات الخارجية، وأدى في النهاية إلى سقوط روما الغربية.

في الهند القديمة، وقف الملك أشوكا أمام جثث عشرات الآلاف من القتلى في معركة كالينغا. كان هذا الملك، الذي بدأ حياته كقائد عسكري شرس، يستخدم الدين لتبرير غزواته.  لكن مشهد الموت هذا غير حياته. تحول أشوكا إلى البوذية، وبدأ في فرض السلام والدين الجديد على مملكته. ومع أنه نشر قيم اللاعنف والتسامح، إلا أن فرض البوذية أدى إلى استياء بين الأتباع التقليديين للهندوسية.  بعد وفاته، دخلت الإمبراطورية الموريانية في حالة من الضعف، وسرعان ما انهارت أمام صراعات داخلية.
هذه القصص من التاريخ القديم تحمل رسالة واضحة: عندما يتحول الدين إلى أداة للسيطرة المطلقة، فإنه لا يوحّد الشعوب، بل يفرقها. التطرف الديني زرع الانقسامات داخل المجتمعات وأضعف الأنظمة أمام أعدائها الخارجيين.  
من الاشوريين في بلاد ما بين النهرين الى إخناتون في مصر ، ومن يهوذا إلى روما….. الى حاضرنا وما مررنا به وخلف ذكريات لا تزال حاضرة بيننا ،  كانت العبرة واحدة: احترام التنوع والتسامح هو أساس بقاء الحضارات، الماضي مليء بالعبر، ولعلّنا نتعلم منها دروساً لبناء مستقبل أفضل.
د. منتصر الحسناوي

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
حقوق النشر © 2025 جميع الحقوق محفوظة - جريدة المواطن