منتصر صباح الحسناوي
يبرز الإنتاج الدرامي العراقي المتنامي كصوت يعيد رسم ملامح الانتماء ويرسخ صورة العراق الحقيقي الذي يجمع الجميع، بتنوعه ولهجاته وروحه الواحدة. وانا اشاهد الحلقة الأخيرة من مسلسل النقيب ، غادر "حارث السوداني" منزله وهو يدرك أن خطاه الأخيرة ستُخط في ذاكرة وطن بأكمله. لم تكن مهمته سهلة، كان ضابطاً في جهاز الاستخبارات العراقي، يعمل في الظل متخفياً بين الأعداء، يحاربهم من الداخل ليحمي الملايين الذين لا يعرفونه حتى باسمه.
حين تسلل بين أوكار الإرهاب كان يدرك أن كل يوم يمر قد يكون الأخير، لكنه لم يتراجع ولم يساوم، حتى عندما انكشفت هويته لم يحاول الهروب، بل أكمل مهمته حتى اللحظة الأخيرة، وكأنه يقول للعراق: "أنا هنا من أجلك."
إذا كانت الهوية الوطنية ضائعة، فلماذا يضحي هؤلاء؟ كثيراً ما نسمع أن "الوطنية تلاشت" أو "الهوية ضاعت"، "لم تعد هناك هوية وطنية " لكن كيف يمكن لهذه الكلمات أن تكون صحيحة في وطن ما زال يُنجب من يقدمون أرواحهم في سبيله؟هل الوطنية تُقاس بالشعارات وحدها، أم بالأفعال؟
حين نرى شباباً مثل النقيب حارث السوداني يختارون المواجهة بدلاً من الهروب، وعندما نجد جنوداً يقفون في الخطوط الأمامية رغم كل التحديات، وعندما نرى طبيباً يعالج الجرحى وسط أزيز الرصاص، وعاملاً يبني، وفلاحاً يزرع، وأماً تربي أبناءها…. ندرك ان العراق لم يكن يوماً وطناً بلا هوية بل هوية صاغت وطناً.
أما شعور البعض بأن الهوية الوطنية ضعيفة؟ لا يمكن إنكار هناك شعوراً بالإحباط لدى البعض، ربما بسبب الفوضى السياسية المتراكمة وضعف المؤسسات أو الواقع الاقتصادي أو حتى التأثيرات الخارجية من عولمة وثقافة رقمية، جعلت الانتماء مشوشاً بين المحلي والعالمي التي تجعل الكثيرين يشعرون بالغربة داخل وطنهم قد نشعر بالإحباط، لكن التاريخ يخبرنا أن الأمم لا تموت إلا عندما تستسلم شعوبها.
الوطنية لا تعني أن ترى كل شيء مثالياً بل أن تؤمن بأن الوطن يستحق أن يُصلح، أن يُحمى، أن يُبنى. الوطنية ليست مجرد حالة من الفخر بل مسؤولية، فبعض الشعوب تعيش الوطنية كعادة، أما نحن فقد اختبرناها كحقيقة دفعنا ثمنها ولا زلنا ندفعه.
النقيب حارث السوداني لم يكن الوحيد، بل هو واحدٌ من آلاف الشهداء الذين قالوا للعراق "لن تضيع هويتك ما دمنا هنا" السؤال الحقيقي ليس"هل الهوية الوطنية ضائعة؟" بل "كيف نعززها ونحميها من الضياع؟" يمكننا ذلك بعد ان نُدرك أن الوطن ليس مجرد مساحة جغرافية، بل تاريخٌ وحضارةٌ وثقافةٌ وروحٌ نعيشها يومياً بالفطرة التي يجب ان نرسخها في أجيالنا الجديدة، ليس فقط عبر التعليم، بل بالسلوك والقدوة ، ليولد من يشبه النقيب حارث السوداني في كل جيل، يؤمن بأن الوطن ليس مجرد مكان بل هوية تستحق الفداء.
في المرة القادمة التي يسألك فيها أحدهم "أين هي الهوية الوطنية؟" أخبره أن ينظر إلى الذين لم يترددوا ، الى صور الشهداء التي نراها في كل شوارع العراق ، إلى عيون الأمهات اللواتي لم يبكين طوائف بل بكين أبناء العراق، إلى الذين غادرونا لكنهم تركوا رسالة واضحة مفادها "الهوية الوطنية لا تُضيعها الأزمات، بل تثبتها التضحيات."