حسين القاصد
تحدثنا كثيرا عن الفنانة المبدعة آلاء حسين التي صارت شخصيتها الحقيقية سائلة جدا، تنساب من كل الأدوار التي مثلتها حزناً وفرحاً وكوميديا وتراجيديا؛ لكن ماذا عن خليل فاضل خليل؟ جواب هذه الـ ( ماذا) أتعبني جدا مذ عرفته نجماً سريع السطوع في مسلسل ( العشرة) في شهر رمضان من العام الماضي؛ وكنت قلقا عليه من سرعة الأفول وفق نسق " أن السرعة ثنائية النتيجة".
أكاد أجزم أن جميع من خاض ثنائيا مع آلاء حسين كان يغرف من نجوميتها ومقبوليتها، فضلاً عن ذوبانها الشديد في أي شخصية تتقمصها إلا خليل فاضل خليل، كان مبدعا من تلقاء وعيه وموهبته وحضوره الهادئ الذي لا تشعر به إلا بعد أن تتجرد من ترقبك لآلاء حسين بسبب نجوميتها وهيمنتها على المتلقي، لأنها أسست عقدا ثقافياً مع المتلقي.في مسلسل ( العشرة) وبعده ( العشرين) يظهر خليل فاضل هو المحور المحرك للحدث، وهو الذي يستفز آلاء حسين كي تستفزنا؛ وقد تقول لي ذلك من شغل المؤلف ورسم الشخصية؛ فأقول: لك إذا كان الأمر كذلك سنلغي دور المخرج في اختيار الممثلين، بل نجعل الممثلين ببغاوات كما هو سائد في المسلسلات الساذجة التي تتصنع اللهجة التي يلقنها المؤلف.
للنقد الثقافي أن يحفر عميقا ويكشف معترك النوازع، وله أن يخوض في الفن والتمثيل على وجه الخصوص؛ ومن هنا لنا أن نقول: كان بإمكان المخرج أن يستعين بعشرين ممثلا في مسلسل العشرة بدلا من خليل فاضل خليل، وعشرين أخريات بدلا من آلاء حسين في مسلسل العشرة؛ ويمكنه مضاعفة العدد ليصبح أربعين بدلا من خليل وأربعين بدلا من آلاء ليغطوا الحلقات العشرين في مسلسل العشرين؛ وعندها نخسر الثلاثين كلهم ونخسر ما شدنا ويشدنا حتى الآن لمتابعة ألاء وخليل.في المسلسلين كان نسق التذويت مهيمنا جدا، و نسق التذويت Subjectification Pattern، وهو نسق يستعين به المبدع، بتوزيع نزعاته الذاتية على الآخر؛ يقول أنتوني ايستهوب في حديثه عن الزمان من وجهة نظر هيدغر في كتاب : الأدبي إلى الدراسات الثقافية .ترجمة : د. عمر أزراج (إن الوجود في العالم يعني الوجود مع الآخرين.
فمنذ البداية، ينخرط كل كائن في بنيات زمنية واجتماعية لا يختارها بنفسه، وهي بنيات تبدو من وجهة نظر الكائن متشابهة. وفي الوجود مع الآخرين، يصبح كل فرد هو الآخر، ولا أحد هو نفسه. وفي ضياعه في الحياة اليومية لـ "هم"، تنسى الذاتية البشرية نفسها، وتغطي احتمالاتها وإسقاطاتها إلى الأمام نحو الموت) ؛ وهو ما حدث فعلا في ( العشرة) وفي ( العشرين) حيث ذوتت آلاء نفسها في كل الأدوار ومثلها فعل خليل فاضل خليل ببراعة رائعة.
ستقول لي كل التمثيل هو تذويت، سأقول لك: لم يتخلص الفنان جواد الشكرجي من دور ( أبو جحيل) إلا بعد وقت طويل، ومن العرب لا نستطيع أن نرى عبد الله غيث دون أن نتذكر (الحمزة) وكأنهما لم يمثلا غير هذا الدور وهما المبدعان الكبيران؛ لكن الواقعية الشعبية فرضت عليهما سمة هذين الدورين.
ما حدث من انتقالة لافتة لدى فاضل خليل وكانت بصمة المخرج علي حديد واضحة هو ما شهدناه في حلقة ( المصعد) من مسلسل العشرين، فبحيلة درامية غير مرئية وأداء رائع، مورس علينا الخداع المحبب؛ ذلك لأن خليل فاضل الهادئ، الذي يجلد المتلقي بسوط هذا الهدوء كسر أفق التوقع الدرامي في هذه الحلقة تحديدا.لنقرأ هذه الانتقالة بالتفصيل:
1. اعتدنا في كل الحلقات التي سبقت حلقة المصعد أن نرى حضورا غيابيا أو استحضارا لخليل فاضل، ويكون خليل هادئا جداً مطمئناً متمتعا بأخلاق ميت!! وبالمقابل نكون نحن وآلاء حسين التي تشحننا ، نكون محاورين لكل "خليل" فقدناه، حفظ الله خليل ورحم أباه الحبيب د. فاضل، وبقينا هكذا مع كل فقيد جديد وثكلى جديدة ، أماً أختاً زوجةً، حبيبة.
2. اعتدنا أيضا، أن نرى آلاء هي التي تسأل وتبحث وتفقد وتنعى، وخليل يمثل ذلك المطمئن البعيد. فما الجديد إذن ؟ الجديد هو التذويت البيني وهو تذويت مركب جدا، فرضته الواقعية السائلة التي جمعت بين الانستغرام والمصعد والزي ( آلاء حسين تحديداً) والمصعد، والإعلام الموازي المتمثل بكون آلاء مثلت دور الإعلامية، وقلت: الإعلام الموازي لأن التمثيل وسيلة إعلام عظمى وخطيرة جدا؛ لكن من كان منهما الإعلامي ؟ آلاء أم خليل الجريح؟ الجواب: كانت آلاء بزيها الأنيق المناسب لدورها كإعلامية تعمل في وكالة لم يصرح بها المسلسل كانت مكتفية بمشاعرها الوظيفية، بحسب الدور المرسوم لها، والحالة تشبه عملية جراحية تجرى لمريض يتألم وأهله يبكون وطبيب أعصابه باردة، ينتهي دوره بانتهاء العملية الجراحية؛ ومع أنها إعلامية كان خليل فاضل لديه الأخبار العاجلة والقلق يهيمن عليه، وكانت آلاء تكلمنا بكل هدوء خليل السابق، وهذا ما أعنيه بالتذويت البيني؛ أما الواقعية السائلة فقد كانت واضحة في المشاعر الوظيفية الباردة لدى الإعلامية التي تشبه ببرودها الطبيب الجراح.
اختيار المصعد مكانا للحدث يدل على ذكاء الكاتب لأن في المصعد إحالات نسقية؛ وقبل أن نتحدث عن أخطر احالتين للمصعد، لنقف عند خليل فاضل الذي ظهر لنا بكل قلق آلاء في الحلقات السابقة، بل كان هو الإعلامي وهو صاحب خبر السبق وهو الذي يتحرى؛ ولقد تألم كثيرا حين رأى آلاء ترتدي الأسود.
نسقية شخصية آلاء هي نسقية اللامبالاة الشائعة عند الحياديين، وفي لحظة احتدام وقلق حارق سأل خليل آلاء:استشهد السيد؟كان المصعد يوشك أن يبكي ..أجابت آلاء: ما كو تأكيد خليل: لعد ليش كَلبي لجمني!!آلاء: تحبه؟ خليل: يبكي بلا دمع. كانت الإحالة الأولى للمصعد هي سعي خليل فاضل للوصول للسيد في دلالة على علو مكانة السيد ورفعته؛ وحين استشهد السيد نستطيع القول أننا وصلنا للإحالة الثانية، وهي انتفاء الحاجة للمصعد فلا سقف بعد استشهاد السيد.
لذلك وبحرقة ورجولة أبدع في إخراجها المبدع علي حديد، ظهرت الحاجة للعكازة، فحين خسرنا السيد صار كل شيء أعرج ولا بد من العكازة، ولابد للمصعد أن يتوقف فقام خليل بضرب المصعد بالعكازة وأنقذ آلاء.النزول من المصعد أو مغادرته، يشي بأن الحرب انتهت وبدأ وقف اطلاق النار، إذ لم يعد أي خبر يهم خليل بعد ذلك.